samedi 7 février 2009

مقدمة لكتاب الإيقاع

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـة
كلمة الإيقاع دخلت ثقافتنا حديثا بصفة عشوائية، ومصطنعة. والمفهوم الذي كان دقيقا في القديم ومخصصا للموسيقى، جاء غامضا. ومما زاده غموضا، تعميمه بدون فائدة في ميادين لا تستلزمه. وهذا التعميم لم يخص ثقافتنا العربية وحدها بل خص الغرب أيضا.
وفي المجال النظري، فالإيقاع لم يحْظَ، في الشرق أو في الغرب، باهتمام أصحاب العلوم الدقيقة، فلم يتناوله بالدراسة لا الرياضيون ولا الفيزيائيون. أما علماء اللغة فإنهم اكتفوا بدراسة الوزن والعروض في اللغات المختلفة. وذلك لأن الوزن مقنَّن، يدوَّن بسهولة، وهو قابل للدراسة. أما الإيقاع فهو لا يملك حتى تعريفا متفقا عليه.

ضمن هذا الفراغ، تحرك نقادنا. بعضهم ألبس العروض القديم ثوب الإيقاع وغير بعض مصطلحات الخليل دون المساس بالمفاهيم القديمة. وبعضهم ارتجل ارتجالا غير مقبول، محاولا إلصاق النبر في شعرنا، مستوردا أفكارا استشراقية قديمة، أغلبها خاطئة المبدإ، بعيدة كل البعد عن الواقع الشعري.
وقد قلنا في أبحاثنا السابقة إن الإيقاع كما يتناوله نقادنا مفهوم وهمي، واستدلالنا في ذلك أننا لو طلبنا من أحد أن يقول لنا ما هو وزن بيت مثل:
{ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم و ثناء}
لقال لنا إنه من الكامل ولأتانا بتفاعيله وزحافاته وبسواكنه ومتحركاته. ولو قلنا لنفس الشخص ما هو إيقاع هذا البيت؟ لما استطاع الإجابة.
فكيف يمكن التعامل مع مفهوم لا نعرف عنه شيئا؟
وكثر في عالمنا العربي الباحثون في ميدان الإيقاع، وكتبت العديد من الرسالات في هذا الموضوع، والغموض دائم، والباحثون الشبان مضيِّعين وقتا ثمينا وجهدا كبيرا، جريا وراء مفهوم غائب، ومعتمدين في كثير من الأحيان على أطروحات خاطئة.

لقد ارتأينا أن الوقت حان لتوضيح الأمور. فبنينا هذه النظرية التي سميناها نظرية الإيقاع، وهي نظرية متماسكة، متكاملة، يمكن للباحثين أن يستعملوا أدواتها في أعمالهم.
أعطينا في البداية تعريفا دقيقا للإيقاع، تعريفا هو حد أدنى لما يمكن أن يكون إيقاعا.
وصنفنا الإيقاعات إلى إيقاعات تواصل وإيقاعات خارجة عن التواصل. وبينا أن كل إيقاع يملك مستويات وأنه يتأرجح بين قطب العشوائية وقطب الرتابة. ثم أوضحنا الفرق بين الوزن والإيقاع.
من بين الإيقاعات الممكنة ركزنا على الإيقاع في اللغة: إيقاع النثر وإيقاع الشعر... ووضعنا الشعر في إطاره الحقيقي بين الوزن واللغة، بين الصوت والدلالة. واستفدنا من دراسات مقارنة لما يجري في الشعر العالمي.
  • كل هذا قادنا إلى نتائج عدة من بينها
    . إيقاع الشعر ثنائي فهو إيقاع لغة من جهة، وإيقاع وزن، وربما أيضا إيقاع بلاغة.
  • لكل شاعر ملكة إيقاعية هي التي تحدد لغة الأوزان، فمثلا الملكة هي التي تحدد الثابت والمتغير، السالم والمزاحف.
    . الملكة الإيقاعية مرتبطة بالإنشاد.
    الإنشاد خاضع لنظرية بنينا أسسها.
    لكل بحر وزن ولكل بحر إيقاع.
    الشعر الحر إيقاع قبل أن يكون وزنا.
    ما يسمى بموسيقى الشعر ليس انطباعا فقط، وإنما هو جزء من بلاغة الإيقاع.

    أنجزنا هذا العمل خدمة لثقافتنا العربية، وخدمة للعلم عموما، ولم نكن منبهرين كغيرنا بالغربيين، لأننا نعرف جيدا أعمالهم في هذا الميدان. والطالح فيها أكثر من الصالح أحيانا...
    وقد تم كل هدا بعون الله تعالى وحفظه.

    د. مصطفى حركات

Aucun commentaire: